المياه عكس التوقعات لماذا؟
شارك هذا الخبر
ستظهر هذه الصورة فقط في طرق عرض أجزاء ويب الخاصة باستعلام المحتوى التي تتضمن ملخصات لهذه الصفحة. لن تظهر خصائص الصورة مثل الارتفاع والعرض في جزء ويب.
المياه عكس التوقعات لماذا؟
كتب: كمال زكارنة
لا يستطيع احد ان ينكر الجهود الجبارة التي بذلتها وزارة المياه والري بسلطتيها المياه ووادي الاردن، والتي لا تزال تبذلها حتى الان وسوف تبذلها مستقبلا، من اجل تأمين الحدود الدنيا من الاحتياجات المائية لجميع الاغراض وخاصة الشرب والري، في ظل وجود تحديات مائية هائلة، منها طبيعية مثل شح المصادر والموارد المائية في المملكة مما جعلها من افقر دول العالم مائيا، وتذبذب المواسم المطرية، ومنها بشرية سكانية طارئة لم تدخل في حسابات واضعي الخطط والبرامج والسياسات والاستراتيجيات الوطنية المائية، وآخرها اللجوء السوري الذي وضع البنى التحتية والمؤسسات الخدمية وفي مقدمتها المياه والطاقة في موقف حرج، وخلط الاوراق في الخطط الوطنية المائية التي كانت معدة لمواجهة السنوات القادمة، ومن ابرزها مشروع جر مياه الديسي الى عمان الذي بدأ تشغيله قبل ست سنوات، وكان مقررا ان يحافظ على الوضع المائي القائم منذ عام 2013 ويواجه زيادة الطلب على المياه حتى العام 2025، كل ذلك وفق حسابات تأخذ بعين الاعتبار الزيادات السكانية الطبيعية وزيادة الطلب على المياه السنوية لجميع الاحتياجات، ومع تشغيل هذا المشروع الاسترتيجي والحيوي والهام، كان مخططا ان تلغي وزارة المياه والري برامج التزويد المائي حسب الدور وتنتقل تدريجيا الى التزويد المستمر في العاصمة والمحافظات الاخرى ضمن خطة مدروسة ومحكمة، لكن الازمة السورية عطلت الخطة وقصّرت عمر وظيفة مشروع الديسي الى النصف، واضطرت الوزارة الى البحث عن مصادر مائية جديدة لسد العجز المفاجيء والمتزايد نتيجة ارتفاع الطلب المستمر على المياه بسبب اللجوء السوري الكثيف، في الوقت اذلي كانت هذه المصادر تشكل احتياطا استراتيجيا للمياه لمواجهة التحديات المستقبلية .
ومن المستجدات التي فاقمت التحديات المائية في المملكة، تجميع مشروع ناقل البحرين والبطء الشديد في تنفيذ مشروع تحلية مياه البحر الاحمر في العقبة، والاسباب السياسية التي تحول حتى الان من تدفق المياه الى سد الوحدة من الجانب السوري، وهو السد الاضخم في الاردن ويستع لحوالي 110 مليون متر مكعب من المياه، فيما لا يتجاوز مخزونه الحالي 28 مليونا، اضافة الى ان المصادر المائية المهمة بالنسبة للاردن تقع في احواض مائية وانهر وينابيع مشتركة مع دول الجوار ومعظمها داخل حدود تلك الدول.
واذا نظرنا الى مخزون السدود من المياه الذي وصل حتى صباح امس الى 171 مليون متر مكعب فقط، مشكلا ما نسبته 51 % من السعة الاجمالية لهذه السدود، فان هذا الرقم متواضع جدا مقارنة بجودة الموسم المطري الماضي، نتيجة تركز الامطار في مناطق معينة، واستفادة ثلاثة سدود فقط بشكل جيد من مياه الامطار هي سد الملك طلال والموجب والوالة، اما السدود الاخرى فكان تخزينها اكثر من متواضع، ويجب الانتباه ايضا الى ان مخزون سد الكرامة البالغ عشرين مليون متر مكعب يجب اسقاطه من مخزون السدود، لان هذه المياه لا يستفاد منها مطلقا بسبب ارتفاع ملوحة تربة بحيرة السد، ومياه سد الكرامة لاتصلح للشرب حتى بعد المعالجة ولا للري ولا للتشجير ولا للطيور المهاجرة، وهو مشروع فاشل بامتياز، علما بأن كلفته بلغت ستين مليون دينار نوسعته التخزينية 55 مليون متر مكعب يج اسقاطها ايضا من السعة الاجمالية للسدود.
الاردن يعتمد بشكل رئيسي على المياه الجوفية،  التي تحتاج على الاقل الى ثلاث سنوات متتالية من المواسم المطرية الممتازة،  حتى يرتفع منسوب المياه في الاحواض المائية عموما، كما يعتمد على المياه السطحية من السدود لاغراض الري بشكل رئيسي وللشرب بنسب قليلة، وجودة الموسم المطري الماضي لا يجب ان ينعكس بالضرورة على الواقع المائي بشكل فوري خاصة لاغراض الشرب، لان مياه السدود تذهب في معظمها الى الزراعة والصناعة والسياحة، والقليل منها لاغراض الشرب وخاصة سد الموجب.
صحيح ان المواطن لا تعنيه الارقام، وكل ما يهمه ان يفتح الحنفية ويجد الماء واصلا لمنزله، لكن لا بد من تفهم الواقع المائي الصعب في المملكة والتحديات الكبيرة التي يواجهها هذا القطاع، والظروف الاقليمية التي تزيد الامور تعقيدا ولا يملك الاردن الا خيار التعامل معها.
ربما يكون الاردن الدولة الوحيدة في العالم التي تحسب موجوداتها من المياه بالمتر المكعب الواحد او باللتر الواحد، بسبب قلة الكميات المتاحة وزيادة الطلب عليها، ولولا الادارة الحصيفة لقطاع المياه لكانت الازمة اكثر شدّة وقسوة .