أزمة مياه في تونس... أسباب طبيعية أم تقصير حكومي؟
شارك هذا الخبر
ستظهر هذه الصورة فقط في طرق عرض أجزاء ويب الخاصة باستعلام المحتوى التي تتضمن ملخصات لهذه الصفحة. لن تظهر خصائص الصورة مثل الارتفاع والعرض في جزء ويب.

تعاني تونس أزمة مياه حقيقية. وبدلاً من أن يفرح الأهالي بعيد الأضحى، كانوا يسعون إلى تأمين المياه، في ظل الشح الكبير الذي يعانون منه. ومحافظة باجة شمال غرب تونس، هي واحدة من عشرات القرى والتجمعات السكنية التي تحاذي خزانات المياه وتشكو العطش الدائم، ما ينذر بأزمة كبيرة.

بين سدّ سيدي البراق (أكبر سد في تونس)، الذي ينتج سنوياً 265 مليون متر مكعب من المياه وقرية المصابحية كيلومترات قليلة. هناك حيث المياه يفترض أن تروي عطش نصف محافظات البلاد، يعيش سكان المنطقة في حالة عطش شبه دائمة بسبب غياب شبكات الماء الصالحة للشرب، ما يضطر السكان إلى التزوّد بالمياه من البحيرات الجبليّة أو الجمعيات المائية بصهاريج لا تكفي لسدّ الحاجيات الأساسية للعائلات في هذه المنطقة.

وقرية المصابحية من معتمدية نفزة (محافظة باجة شمال غرب تونس)، المطلة على السد، ليست إلّا واحدة من عشرات القرى والتجمعات السكنية التي تحاذي خزانات المياه وتشكو العطش الدائم، ما يعكس ظلماً ناتجاً عن خارطة توزيع المياه في تونس، على الرغم من تأكيد الجهات الرسمية عزمها على تجاوز هذه المشاكل، محملة الطبيعة القسم الأكبر من مسؤولية عطش التونسيين. ويقول الناشط في المجتمع المدني في محافظة باجة حاتم القلعي لـ "العربي الجديد" إن ما لا يقل عن 19 تجمعاً سكنياً تواجه العطش الدائم في المنطقة، على الرغم من أن مدينته محاطة بثلاثة سدود كبرى توفر ما لا يقل من 60 في المائة من حاجيات البلاد من المياه واصفاً وضع سكان هذه القرى بـ"البائس".

يضيف القلعي أنّه من الظلم أن يحاذي المواطنون خزانات المياه ويعانون العطش في درجات حرارة تبلغ 45 درجة، ما ينغص عليهم العيش ويعرّضهم للأمراض نتيجة التزود بالمياه من المنابع غير المراقبة التي ترتادها الحيوانات. ويشير إلى أن أزمة المياه في المحافظة بدأت تتسرب إلى المناطق العمرانية التي عانت بدورها، خلال أيام عيد الأضحى، من شح وعدم قدرة على التزود بالمياه. ووجد المواطنون أنفسهم يعانون من جراء انقطاع المياه أو المياه الملوثة بالأتربة وترسبات صدأ الشبكات.

 فقر مائي

على الرغم من أن معضلة العطش الدائم تطاول العديد من محافظات البلاد، إلا أن الأزمة الأخيرة التي مرت بها تونس أيام عيد الأضحى كشفت حجم "الفقر المائي" الذي تعاني منه جل المدن، وانقطاع المياه وضعف التزود بها، ما تسبب في موجة غضب شعبي عارمة وصلت حد الاحتجاج في الشوارع وقطع الطرقات وتعطيل حركة السير على الطرقات الرئيسية.

المكتب التنفيذي للاتحاد العام التونسي للشغل قال في بيان نشره في 13 أغسطس/آب الجاري على صفحته الرسمية على "فيسبوك"، إن قطع المياه عن عدد من المناطق أيام العيد "جريمة" تستوجب فتح تحقيق لمعرفة المتسببين وملاحقتهم قانونياً. وحمّل البيان الحكومة ووزارة الإشراف والإدارة العامة المسؤولية في التراخي عن اتخاذ القرارات العاجلة تجاه ما يتعرض إليه المواطنون من تنكيل تسبب في إتلاف الأضاحي وخسائر مادية ومعنوية، عدا عن توتير المواطنين في عدد من الجهات في ظروف حرارة مرتفعة، علماً أنه كان يجب الاستعداد وأخذ الاحتياطات، خصوصاً أن مخزون المياه قد بلغ أعلى نسبة بإقرار من الدوائر الحكومية.

من جهته، يؤكّد عضو المكتب التنفيذي للمنظمة النقابية محمد علي البوغديري وجود تقصير حكومي في إيجاد حلول مستدامة لأزمة المياه، نتيجة غياب التخطيط المسبق لتفادي هذه الانقطاعات. ويقول البوغديري لـ"العربي الجديد": "انقطاع المياه في غالبية محافظات البلاد في وقت واحد وأثناء فترة العيد يثير شكوكاً كثيرة حول إمكانية وجود أيادٍ عابثة أرادت أن تنغص فرحة العيد على التونسيين". ويشير إلى أنه أثناء مشاركته في فض تحرك احتجاجي لمواطني منطقة الجميلة من معتمدية نفزة في محافظة باجة، وجد لغضب المواطنين مبرراً نتيجة غياب أبسط مقومات العيش التي يكفلها الدستور للمواطن، أهمها المياه. يضيف أن مواطنين في أرياف منطقة الجميلة التي تطل على سد سيدي البراق اضطروا إلى تغسيل موتاهم بمياه معدنية.

في المقابل، تنأى الدوائر الرسمية بنفسها عن مسؤولية انقطاع المياه، عازية أسباب ارتفاع نسب العطش في تونس إلى عوامل طبيعية بالأساس، ووقوع تونس تحت خط الفقر المائي، نتيجة تتالي سنوات الجفاف وتراجع التساقطات المطرية بنسبة 28 في المائة خلال العقدين الأخيرين.

عبد الله الرابحي كاتب الدولة للموارد المائية والصيد البحري، يقول لـ "العربي الجديد" إن الوزارة تمكنت منذ عام 2016 من فك العزلة المائية عن 200 منطقة، مشيرا إلى انخفاض عدد التجمعات السكنية غير المزودة بالمياه الصالحة للشرب من 246 منطقة إلى 46 منطقة حالياً، متوقعاً مزيداً من ربط المناطق بشبكة المياه مع استكمال المنظومة الجديدة للتعبئة في ثمانية سدود جديدة هي قيد الإنشاء.

وعن أسباب انقطاع المياه الصالحة للشرب في عدد من المناطق خلال المدة الأخيرة، خصوصاً أيام عيد الأضحى، يؤكد المسؤول الحكومي أن الاستهلاك المفرط للمياه تسبب في فراغ الخزانات خلال وقت قياسي، مؤكداً أن ملء خزان المياه يحتاج إلى 24 ساعة، في حين أن الاستهلاك المفرط أيام العيد تسبب في نفاد الكميات المخزنة خلال ساعتين. وأقر كاتب الدولة بوجود فقر مائي في تونس، مشدداً على ضرورة ترشيد الاستهلاك والتحكم به عبر توعية المواطنين لضمان استمرارية التزويد، لافتاً إلى أن معدل حصة الفرد الواحد من المياه في تونس تبلغ 457 متراً مكعباً سنوياً، في مقابل 3300 متر مكعب في فرنسا. ويرى أن الأرقام تكشف ضعفاً في مخزون المياه، ما يستوجب وضع استراتيجية لترشيد الاستهلاك، خصوصاً في ظل تحولات مناخية وزيادة غير مسبوقة في معدل درجات الحرارة، لافتاً إلى أن كل زيادة في درجات الحرارة تساوي استهلاكاً إضافياً للمياه. ومنذ عام 2009، حذر البنك الدولي في تقرير نشره على موقعه، من إمكانية دخول تونس في أزمة فقر مائية خلال السنوات الخمس اللاحقة. وتعزو هذه الدراسة الأزمة الحاليّة إلى اعتماد البلاد لتوفير ثلاثة أرباع من حاجياتها من المياه على المياه السطحيّة، أي مياه الأنهار والأمطار، والتّي لا تتركّز إلاّ في مناطق محدودة في شمال البلاد وغربها.

ويبيّن التقرير أن هذه استراتيجيّة أثبتت فشلها مع تذبذب الكميّات السنويّة للأمطار واستنزاف احتياطيّ المياه الجوفيّة غير المتجدّدة في الجنوب التونسي. أما العامل الثاني المسبّب لمشكلة شحّ المياه، بحسب التقرير المذكور، فهو استهلاك ما يزيد عن 82 في المائة من احتياطي المياه العذبة في الزراعة، في حين لا يتجاوز نصيب الأفراد من المياه الصالحة للشرب نسبة 18 في المائة.

على السطح

من جهته، يؤكد رئيس منتدى الحقوق الاقتصادية والاجتماعية (منظمة مدنية) رمضان بن عمر أن أزمة المياه في تونس هيكلية وبدأت تطفو على السطح منذ عام 2011، مشيراً إلى أن الأزمة لا تتعلق بنقص في مياه الأمطار، كما تروج لذلك الدوائر الرسمية للدولة، بل بسوء تصرّف في المخزون وغياب استراتيجية مائية للدولة. ويقول بن عمر لـ "العربي الجديد" إن احتجاجات المياه التي يرصدها المنتدى تتصدر شهرياً أسباب التحركات الاحتجاجية في تونس، لافتاً إلى أن خارطة الغضب من نقص الماء تحوّلت من محافظات الجنوب التي تشكو بطبعها من ضعف التزويد إلى مناطق كانت تعد سابقاً خزانات مائية، على غرار محافظة زغوان التي تضم معبد الماء التاريخي، وجندوبة وباجة اللتين تملكان أكبر مخزون استراتيجي في السدود.

يضيف رمضان بن عمر أن المنتدى سجل تحركات احتجاجية تتعلق بالمياه خلال شهري يناير/كانون الأول وفبراير/شباط، عندما كانت السدود تفيض بالمياه وتسجل أعلى مستويات التعبئة، ما يؤكد أن الأزمة تتعلق بالتصرف في المخزون وصيانة شبكات الوصل وليس نقص المخزون. ويلفت إلى أن وتيرة الاحتجاج تبلغ ذروتها خلال شهري يوليو/تموز وأغسطس/آب مع ارتفاع درجات الحرارة وارتفاع حاجة المواطنين للمياه لري الظمأ المتواصل في بعض المحافظات. وتتجه الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان فرع صفاقس ومنظمات مدنية إلى تكوين فريق عمل قانوني للنظر في الإمكانيات المتاحة لمقاضاة الجهات المسؤولة عن الانقطاعات المتكررة للمياه، بما يمثل اعتداء صارخاً وانتهاكاً لأحد الحقوق الأساسية للإنسان. قلق واستياء

وقالت الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان فرع صفاقس الجنوبية في بيان أنها تتابع بقلق واستياء منذ أيام الوضع الكارثي الذي آل إليه توزيع المياه الصالحة للشرب في غالبية مناطق صفاقس. وبلغت الانقطاعات ذروتها يوم عيد الأضحى، ما حوّل مناسبة للفرح إلى كابوس حقيقي ومعاناة أليمة لدى غالبية سكان الولاية.

وذكر فرع الرابطة في صفاقس الجنوبية أن الحق في الماء حق دستوري، ومن واجب الدولة بمختلف مؤسساتها توفير الضمانات اللازمة للتمتع به. وفي فبراير/شباط الماضي، سجّلت سدود الشمال التونسي التي توفر 85 في المائة من الحاجيات التونسية من الماء طاقتها القصوى بتخزين 1500 مليون متر مكعّب من المياه، منها 835 مليون متر مكعب بسدود الشمال الغربي وهي سد سيدي سالم وسيدي البراق، لتمحو بذلك شبح الجفاف الذي عانت منه تونس لثلاث سنوات متتالية.

وأسفر شحّ الأمطار خلال السنوات الثلاث الماضية عن عجز مائي فاق الـ 700 مليون متر مكعب، وجفاف واضطرابات كبيرة في توزيع مياه الشرب، تسبّب في أزمة مائية في المناطق التي تعدّ "الأكثر ثراء مائياً"، ما أثار احتجاجات اجتماعية ومطالبة بتوفير المياه. ووصفت عدد من مناطق ولاية باجة وجندوبة بالعطشى.

كما تسبّب شح المياه في مراقبة مشدّدة على استغلالها وإصدار السلطات قرارات بتقليص المساحات الزراعية المروية، ونتج عن تقسيط مياه الري في عدد كبير من المناطق السقوية، وتحديد ممارسة النشاط الزراعي، ومنع زراعة الخضار المستهلكة للمياه. وبلغ معدّل مخزون السدود خلال السنوات الثلاث الماضية 2016 و2017 و2018، نحو 892 مليون متر مكعّب كان أدناها عام 2018 بمخزون 724 مليون متر مكعب. واضطرت السلطات إلى استعمال جزء من المخزون الاستراتيجي للماء لمواجهة الطلب.

وتتميّز تونس باختلاف كبير في توزيع الأمطار بحسب السنوات والمناطق، وتمّ إنشاء السدود لتحسين التصرف في الموارد المائية، وتمّ بناء غالبيتها في ثمانينيات القرن الماضي، وأكبرها سد سيدي سالم الذي أنشئ في عام 1981. ويحتوي الشمال التونسي على أكثر من 85 في المائة من الموارد المائية التونسية المخزّنة، منها قرابة النصف في محافظة باجة.

التعليقات
الإسم  
البريد الإلكتروني
التعليق